زكي مبارك

23

عبقرية الشريف الرضي

العلم ، وهنا تظهر أسباب المنافسة بين الأخوين ، فالرضي الشاعر كان عالما جليلا ، والمرتضى العالم كان شاعرا مجيدا ، ولا ندري متى يأتي الزمن الذي يسمح بأن نحدد خصائص هذين الأخوين ، ونبين ما يشتركان فيه ، وما يتفرد به كل منهما تفردا لا يتطرق إليه الخلاف . ولكن لا مندوحة من تقرير الواقع المؤلم ، وهو أن ذينك الأخوين عرفا كدر الاخوة بعد الصفاء ، وإن جهلنا حقائق الأسباب ، ولكن أي كدر تصوروا حال الشريف الرضي الذي مدح أخاه بكثير من القصائد الجياد ، وامتزج بحياته البيتية امتزاج الماء بالصهباء ، تصوروا حاله وهو يسمع أن أخاه يمسه بقوارص الاغتياب . وهل في الدنيا وجه أقبح من وجه الأخ الذي يغتاب أخاه انها بلية دميمة لا يضنّ بها الدهر الغادر على كرام الرجال ، وقد شرب الرضي كؤوس العلقم من يد الزمان ، ورأى من البلايا ما أنطقه بالشعر وهو في العشر من سنيه ورماه بالشيب وهو في سن العشرين ، ولكن هل تجور الدنيا إلى هذا الحد فيرى أخاه الشقيق وهو يمضغ عرضه بلا تورع ولا استحياء هل تفسد الدنيا هذا الفساد فنرى المرتضى والرضي يتباغضان ويتحاقدان بعد أن جمعتهما الأيام تحت جناحي أم رؤم تروضهما على المودة والعطف وهي ترى الدنيا في وجهيهما حين زج زوجها في غياهب الاعتقال ما هي الأخيلة التي طافت برأس الشريف وهو يعادي أخاه إن الجبال أخف وزنا من الهموم التي تساور الشاعر حين يبغض من يحب ، والسم أحلى مذاقا من ورود الشاعر بحر القطيعة ، قطيعة الأخ المحبوب ، فماذا صنع صديقنا الشريف الرضي في تلك الأيام السود ما الذي عاناه وهو يستعد لذلك النضال المشئوم وما هو الغم الذي سيطر عليه حتى